خالد عكاشة يكتب : عن هذا الإرهابى المحتمل الذى يسير بيننا هادئاً

بقلم / الوطن 2017-04-25 07:49:12

تنظيم داعش فى رحلة صعوده الأسطورية ، التى مثّل استيلاؤه على الموصل صيف 2014م تتويجاً فاصلاً لها، بالنظر لمساحات الأراضى الشاسعة والعدد الكبير من المدن الرئيسية التى ظل يحكمها ويدير شئونها، منذ هذا التاريخ وحتى أيام قليلة مضت .
 هذه الأعوام الثلاثة ربما لم تحظ بدراسات استقصائية وتحليلية معمقة بعد ، فالحرب على التنظيم لا تزال فصولها جارية ، لكن استرداد وتحرير بعض المدن الكبيرة من أيدى التنظيم كالموصل ، إحدى الدرر الثمينة فى تاج الدولة الإسلامية ، دفع الصحافة الجادة إلى المسارعة بالدخول إلى المناطق التى تم انتزاعها بصعوبة ، كى تبدأ فى طرح الأسئلة التى يمكن من خلالها الاشتباك مع الظاهرة ( تنظيم الدولة الإسلامية ) لسبر أغوارها ولو قليلاً .

مجلة «دير شبيجل» الألمانية والباحثة «كاترين كانتز» طرحا سؤالاً أولياً، بعد خروج داعش : هل يترك أطفال الموصل السلاح ويعودون إلى طفولتهم؟ جاء هذا فى التقرير الذى حمل عنوان « الحياة بعد الدولة الإسلامية » ، وأسفله عنوان فرعى عبارة عن جملة من حديث أطفال مدرسة بالموصل للكاتبة ، هى : «هم علمونا كيف نقطع رأس أحدهم». أهمية البحث أنه وضع إشكاليته الرئيسية فى رصد مساحة العبث فى عقول أطفال المدينة ، لذلك استهلته « كانتز» بمشهد جرى صبيحة أحد أيام مارس الماضى ، حيث وقف عشرات الأطفال أمام مدرستهم الابتدائية ، التى تقع بجوار بنايات مدمرة وسيارات محترقة شرقى الموصل، وعند سؤالهم عما تعلموه فى الشهور الماضية كانوا يردون عفوياً بحماس شديد : « تعلمنا القتال على يد داعش » ، إذ كان المدرسون عناصر تابعة للتنظيم . رصد التقرير سعى داعش إلى تغيير كافة نواحى الحياة فى الموصل بعد استيلائه عليها،  وأصدر لذلك حزمة من القوانين والتشريعات تشمل الاقتصاد والتجارة والزراعة وغيرها من الأنشطة، لكن كافة من التقتهم الباحثة أجمعوا على أن «السيطرة على التعليم» من أكثر ما اهتم به التنظيم على الإطلاق.

حقيقة هذا الحديث ليس عراقياً خالصاً، رغم أهميته الفائقة فى التدقيق على ما يحدث بالنموذج وتأثيره وانتقاله إلى المستنسخات بـ«الفروع» .
 فبداية كان الأجدر بنا، ونحن أول المعنيين بما يدور هناك، أن نكون الأسرع فى دراسته والوقوف على تفاصيله الدالة، فالفوارق ليست ببعيدة عما يحدث، خاصة فى فصل الإرهاب الجديد الذى تواجهه مصر اليوم، والمقصود به الخلايا الداعشية التى نفذت عمليات تفجير الكنائس، والتى أعلن الأمن المصرى عن أسماء البعض منها. الأخطر فى هذا الفصل الجديد أن الفكر الداعشى انفتح على الكتلة الواسعة «الكثيفة عددياً» من الإخوان والسلفيين، لهذا لم يكن مدهشاً كثيراً أن تظهر تلك الخلايا بمحافظات قنا بالانتساب وفى طنطا والإسكندرية بالتنفيذ، وقبلها فى أسيوط وبعدها فى دمياط والبحيرة .
 هل تكفى هذه النقاط على خريطة مصر لتترجم مساحة التمدد أو «القابلية» على خريطة القطر؟ الأعداد ليست بالكبيرة، لكن الاستهداف بالتكتيك الجديد لا يراهن على الكم بقدر اصطياده للكيف المحترف، القادر على صناعة الرعب وإنتاج الخطر.

«داعش» لن يؤسس فى مصر تنظيماً كما الحال فى سوريا أو العراق، ولا حتى مثل ما سعى لتشكيله فى ليبيا. هو دخل إلى مصر بحثاً عن شباب الإخوان التائهين وسط مأزقهم الحالى، ووصل إلى البعض منهم وكلف آخرين بصناعة هذا الجسر، «مهاب قاسم، المتهم الأول فى خلية البطرسية والثانى فى طنطا والمرقسية» كمثال مهم يجب الوقوف عنده طويلا .
 الجسر سيضع الإخوان فى مرتبة الاستهداف الأولى، استثماراً للحالة الانتقامية التى يحلمون بتفجيرها فى وجه الدولة والمجتمع، والتالى لهم سيكون السلفيين بميزتهم العددية الهائلة والتى بداخلها شريحة لا يستهان بها تقف على تخوم انقلابها إلى جهادية، لكنها لم تجد من يدلها على الطريق بعد. كلاهما تلهب خياله أخبار داعش وأخواتها وصور وحكايات فعلهم المسلح، والإلحاح المبرمج والمدروس تأثيره على هذا الخيال لم يقابله من الجانب الآخر (نحن) سوى الكثير من الصراخ فى وجهه بأنه من الضرورى أن يكون إرهابياً محتملاً!

فى صراخنا ثمة هجوم مبرر بالقطع على «الإرهاب»، وغيره من إلقاء الاتهامات هنا وهناك، والكثير منها منطقى .
 لكن فى الغالب ليس هذا فصل الخطاب الذى يريد هذا الشاب «النموذج» الاستماع له أو الحديث بشأنه، والارتكان لذريعة التغرير به لا محل له فى هذا الموقع، فالمطلوب «منا» هو تجاوز هذا التغرير وغيره من وسائل غسل الأدمغة ، للعمل حول تحطيم مسببات تلك المعادلة وهى فى المناطق العميقة من أغوار هؤلاء الشباب. فما يواجهنا به عادة الشاب الإخوانى أو السلفى، ملمح هادئ مزيف يرتسم على وجهه يخفى وراءه قدراً عالياً من الكراهية المعقدة، أولها تصنيفه وإزاحته بعيداً على الدوام، وثانيها صراخنا الذى لا ينقطع وحديثنا الذى ينفر من تبادله معنا، ولذلك فهو يسير وسطنا هادئاً متوحداً مع «كتلة غضبه» وأحياناً مبتسماً ابتسامة رمادية، تعبيراً أقرب إلى الرغبة فى إزاحتنا من أمامه ، أو التشفى العميق فى القدرة على إيلامنا.

هؤلاء هم المنتج الجديد ، هم المقبلون ، بصمتهم وتعقيدات صناعتهم لعالم مواز، تشكَّل رغماً عنا وعنهم .
 البحث اليوم عن أعناق هنا وهناك لتعليق الاتهامات والذرائع سيكون إهداراً لمزيد من الوقت، فالجهد المطلوب يحتاج لقدر أسرع فى الوصول إلى هؤلاء ، للدراسة الجادة المعمقة وفتح قنوات الحوار العقلانى القادر على اجتذابهم بكل السبل ، حتى ولو استمعنا فى البداية إلى ما لا يرضينا وما هو ليس حقيقياً أو منطقياً .. فالمستهدف كسر هذا الهدوء الشيطانى واستبداله بأصوات لحوار متبادل ، قبل دقائق من الضغط على زر التفجير فى الحزام والابتسامة الرمادية الناسفة.