سيد علي يكتب : رجالة مصر زمان

بقلم / الأهرام اليومي 2017-04-25 07:19:06

يومًا ما سيعرف المصريون أنهم انتصروا في معركة كونية كبرى ، وأوقفوا مخططًا دوليًا لإعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط؛ ليكون على مقاس إسرائيل جغرافيًا بالتفتيت ومذهبيًا بإثارة الصراع بين السنة والشيعة والمسيحيين ؛ بهدف تكوين كانتونات سنية وشيعية ومسيحية وكردية تبرر قيام الدولة اليهودية في فلسطين .

 وكان الوعي المصري وحده هو الذي تصدى لكل ذلك برغم الحملة الرهيبة لتزييف الفوضى بما أطلق عليه الربيع العربي ، صحيح أن المصريين ثاروا أو انتفضوا في يناير ٢٠١١، ولكنهم لم ينزلقوا لمستنقعات الفتنة والمذهبية والعنف الطائفي، وذلك للرصيد الحضاري الكامن تحت جلودهم ؛ حيث كان هناك بقايا إعلام وطني فاهم ، وسياسيون على قدر كبير من الحنكة ونخبة صقلتها الأيام ، وفنانون محترفون ، وشارع على استعداد للانتفاض ثم يعود ليصحح أي أخطاء ويتسامح ويصفح عن الأخطاء الصغيرة التي وقع فيها الجميع بلا استثناء ؛ حيث كانت المتغيرات كالطوفان أكبر من قدرة أي شخص أن يستوعبها في وقتها .

 وفِي الأيام الأولى كان المصريون يغيرون آراءهم واتجاهاتهم خمس مرات في اليوم، وتلك كانت أيام واخشى أن تمر بدون تسجيل واقعي صادق للأحداث ، كما حدث في معظم المعارك الكبرى التي خاضتها مصر، ويكفي أن يشاهد المرء هذا الفيلم الإماراتي (Little Sparta  ) ، وهو يتكلم بشغف عن دولة الإمارات بدون أن ينزلق لتأليه فرد أو مؤسسة ، ولكنه يتكلم عن دولة تصنع مستقبلها بالإرادة، وهو ما كانت تقوم به مصر أيام كانت لديها نخبة حقيقية ، وكانت هي السند والاحتياطي الإستراتيجي للجيش في كل المعارك الكثيرة التي خاضتها أيام كان لدينا إعلام محترف وطني يقوده قامات ، وسينما تمتلك أدوات التأثير الذكي، وبالأغنية والفيلم والكتب والصحف والمسلسلات والبرامج الإذاعية جمعت المصريين ووحدتهم .

 وكما يقول الرائع علاء حمودة في تدوينة له على الفيس بوك إن الناس تجمعوا حول الراديو لمتابعة مسلسل ( كلاب الحراسة ) للمؤلف كمال إسماعيل الذي التقطه نور الدمرداش وحوله لمسلسل ، وبرنامج عيلة مرزوق أفندي، وأطلق محمد سعيد برنامج جند الله وظهرت خماسيات مثل " الكمين " ، و"صراع حتى النهاية " و" اللص والجاسوس " ، وكتب رأفت الخياط " البعثة ٩٦ " ، وقدم علي عيسى ثلاثة برامج ناجحة تروي قصصًا عن الجاسوسية والبطولة والحرب النفسية .

 وقدم فايق إسماعيل مسلسل اللص والجاسوس وانطلق عشرات الكتاب يكتبون روايات ومسلسلات عن الحرب النفسية، وحرب الاستنزاف، وبعد أن كان المصريون يشعرون بالخجل من نكسة ٦٧ ، عادت الروح وخرجت المظاهرات تطالب بتحرير الأرض ؛ لدرجة تحذير الصحف الإسرائيلية من الحرب النفسية التي تقودها النخبة والإعلام المصري ، والتي جعلت العملاء والخونة يغيرون ويبدلون مواقفهم، وهناك عشرات الروايات والقصص لكتيبة الفنانين المصريين وجولاتهم داخليًا وخارجيًا، وحفلات المجهود الحربي ، وكيف كان حليم وبليغ والأبنودي والموجي والطويل وشادية ينامون في استديوهات ماسبيرو؛ لينتجوا روائعهم الوطنية التي خلدت تلك الأيام المهمة في مسيرة هذا الوطن، حدث كل ذلك قبل أن يأتي يوم على مصر يقود السينما والتليفزيون السبكي، وأبوهشيمة وإخوانهم في الراديو والصحف بأموال غريبة مجهولة المصدر، وإن كانت روائحها تشي بنفط الخليج، ومؤسسات ليس من مهمتها صناعة الإعلام أو إدارته ، كما يحدث الآن .

 وكما استولت روتانا على الأغنية , استولت mbc على الفضائيات وتركيا على الدراما ، واتجه المبدعون المصريون بكل أسف للعمل لديهم ، وأصبح لكل محترف كفيل يأتمر بأمره وينفذ أجندته، وفرضوا على الشارع العربي العري والخلاعة والميوعة باسم الفيديو كليب، وصار الحفاة يتطاولون ويعيثون الفساد والدمار في بلاد الحضارات القديمة، وجلست القاهرة في مقاعد المتفرجين تكتفي بالحسرة على عصر تلعب فيه "روتانا " و" الجزيرة " و"مكملين" و"الشرق" دورًا في صناعة العبث القومي والتغييب الوطني ؛ لأن كثيرًا من القائمين على الأمر لا يدركون أن ثروة هذا البلد في نخبته وكوادره وخبرائه ، هم الذين صنعوا مجد مصر أيام كان الأمر يوسد لأهله .