أحمد البهائي يكتب : التضخم الجامح .. إلحقوها قبل خراب مالطا

بقلم / الرأي البورسعيدي 2017-04-14 17:05:46

التضخم الجامح أو المستمر أو المدمر ,  يعد أكثر أنوع التضخم ضررا على الاقتصاد الوطني ، وذلك نظرا لارتفاع المستوى العام للأسعار بـصورة سريعة ومتوالية دون توقف ، بحيث ينجم عنه آثارا اقتصادية كبيرة يصعب على الحكومة الحد منهـا أو معالجتها في الأجل القصير، ومن أهم الآثار السلبية لهذا النوع من التضخم فقدان النقود لقوتها الشرائية ووظيفتهـا كمخزن للقيمة ، مما يترتب عليه قيام الأفراد بالتخلص من النقود التي بحوزتهم ، واستبدالها بعملات أخرى أو قيـام الأفراد بالتخلص من كمية النقود من خلال استخدامها في اقتناء أصول عينية أو استثمارها فـي قطاعـات غيـر انتاجية وينتج عن ذلك انخفاض في إجمالي قيمة المدخرات القومية  .

 ويحدث هذا النوع مـن التـضخم نتيجـة الإفراط في عرض النقود ، وكنتيجة للنقص غير الطبيعي في عـرض الـسلع بكافة أنواعها .

من خلال قراءة واقع المؤشرات السعرية الخاصة بالأرقام القياسية لأسعار المستهلك ( الرقم القياسي لأسعار الجملة - الرقم القياسي لأسعار التجزئة - الرقم القياسي الضمني ) يتضح أن الاقتصاد المصري بالفعل على عتبة التضخم الجامح والمدمر ، الناتج عن تطبيق سياسات اقتصادية خاطئة وغير موفقة وظروف غير طبيعية مر بها الاقتصاد ، فمن لاسباب التي ساهمت في زيادة التضخم :

* فائض المعروض النقدي .

* ارتفاع التكاليف " ارتفاع معدل التكاليف في متوسطها عن متوسط معدل الانتاج " .
* التصلب والجمود وعدم المرونة في الجهاز الانتاجي  .
 * تزايد الطلب على العملة الاجنبية وارتفاع معدل الاستيرادات .
* ارتفاع معدل نمو القطاعات الخدمية عن معدل نمو القطاعات السلعية .
 * الاعتماد المتزايد على العوائد ثابته وبعينها " السياحة , تحويلات المصريين بالخارج , قناة السويس " في تكوين الدخل والناتج القومي .
* خلل وجمود الجهاز المالي للحكومة .
* قصور في طبيعة عملية التنمية .
* خلل هيكلي في إنتاج المواد الأولية .
* خلل وجمود الهيكل الضريبي وعلى رأسها التهرب الضريبي " الايرادات الضريبية لم تستطع أن تغطي النفقات الحكومية " .
* إنهيار مقصود ومتعمد للقطاع العام وإنكماش في القطاع الخاص .

هل يعقل مع مستويات تضخم تجاوزت 32% ، وفي طريقها للارتفاع ، أن تعلن الحكومة أنها تستهدف رفع معدل النمو السنوي إلى 5% في العام المالي 2017 – 2018 ، وخفض معدلات البطالة الى 11% ، فالتضخم بتلك الصورة لا يجعل تلك التصريحات ذات مصداقية فحسب ، بل يؤدي إلى ظهور العديد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية وتفاقمها والتـي تـؤثر بـصورة مباشرة أو غير مباشرة على حجم النشاط الاقتصادي ، وبالتالي تؤثر على عملية التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات ، وتـنجم هـذه الآثار نتيجة التغير في قيمة النقود أثناء تعرض الاقتصاد لتلك الموجات التضخمية التي تؤدي إلى انخفاض القـوة الـشرائية لوحدة النقد .

 ويؤدي الانخفاض في قيمة النقود إلى التأثير على مـستوى معيشة مختلف فئات المجتمع من خلال تأثيره على مستوى الدخل الحقيقي للأفراد والذي يتناقص بارتفاع المستوى ، وتختلف درجة تأثير التضخم على أفراد المجتمع ، حيث أن شريحة كبيرة في المجتمع والتي تمثل محدودي الدخل وأصحاب الدخول الثابتة والمعاشات التقاعدية ، والذين تزداد معاناتهم جراء حـدوث ارتفـاع فـي مستويات الأسعار، نظراً للانخفاض في مستويات دخولهم الحقيقية وحساسية تأثرها بالتضخم ، حيث يؤدي التضخم إلى انخفاض دخولهم النقدية الحقيقية ، بينما تمثل الشريحة الأخرى المستفيدين من الارتفاعات في مستويات الأسعار ويمثلون فئة قليلة في المجتمع وتشمل المنتجين وأصحاب رؤوس الأموال والذين يحققون أرباحاً مرتفعـة نتيجـة الموجات التضخمية ، وتتمثل أهم الآثار التي تحدثها الضغوط التضخمية
فيما يلي :
* فقدان النقود لوظيفتها كمخزن للقيم .
*اختلال في ميزان المدفوعات .
* توجيه الاستثمارات في غير صالح الاقتصاد الوطني .
* حدوث حالة من الارتباك في تنفيذ مشروعات التنمية .
* إعادة توزيع الدخول واحتدام التمايز بين الطبقات .
* تفشي الرشوة والفساد الإداري .  

فهذا يعني أن هناك فشل من الحكومة في تطبيق سياستها المالية والنقدية في كبح التضخم ، حتى بعد الاستعانة بأسواق الجيش ، فوصول التضخم الى هذا المعدل ينبئ بخطر كبير قادم حيث من المتوقع بناء على تلك المعطيات أن يتعدى معدل التضخم 24.3% ، وبالتالي فإن الأدوات التي يمتلكها البنك المركزي تصبح غير فعالة وأكاد اقول لا قيمة لها ، ومنها اداة سعر الفائدة ، فهل يعقل أن ترفع اسعار الفائدة الى اكثر من 20% لمواجهة الغول التضخمي !!
كل القائمين على العمل النقدي هدفهم أن يكون سعر الفائدة الحقيقي موجبا ، الذي هو في حقيقته يساوي سعر الفائدة الاسمي مطروحا منه معدل ارتفاع الأسعار(التضخم ) ، ويمكن أن يكون سعر الفائدة الحقيقي سلبيا إذا كان ارتفاع الأسعار أعلى من سعر الفائدة الاسمي ، حتي مع ذلك فأن سعر الفائدة الحقيقي في مصر يعتبر سالبا الان نظرا لأن البنك المركزي يستخدم ما يطلق عليه مؤشر التضخم الأساسي وهو مؤشر أو معدل مشتق من الرقم القياسي لأسعار المستهلك بعد استبعاد أسعار السلع التي يتأثر بصدمات العرض كالخضار والفاكهة مثلا ، وبعض السلع التي تتحدد أسعارها إداريا ، في تحديد معدل التضخم .
 فجميع المدارس الإقتصادية المتخصصة والتي ساهمت في علاج التضخم ، سوف تفشل عند تطبيق نظرياتها لعلاج التضخم في مصر ، طالما الإقتصاد الموازي موجود ، والفساد والإحتكار باقي بدون ردع ، وغياب السياسة الاقتصادية السوقية والسعرية والتوزيعية الرشيدة ، وعدم الإسراع بمعدلات النمو الاقتصادي عن طريق سياسة حازمة ورشيدة لتوزيع الدخل القومي فيما بين الاستهلاك والاستثمار، وعدم وجود سياسة تهدِف إلى الاستغلال الأمثل لموارد المجتمع، وتشغيل طاقاته الإنتاجية عند أعلى المستويات ، ووجود خلل بين الناتج المحلي اي المعروض الانتاجي وبين المعروض النقدي ، الفشل في ضبط المالية العامة وفي شفافيتها ، واليد المرتعشة في تطبيق مبدأ الثواب والعقاب ، والتأخر والتردد في تطبيق نموزج ضريبي على الطبقات والشرائح الغنية واستخدام الفائض الناجم عن ذلك في زيادة معدلات الاستثمار، فكل ذلك سوف يؤدي الى عدم التوازن بين الإنتاج والاستهلاك والادخار والاستثمار، وضعف الطاقات الإنتاجية في الاقتصاد القومي ، وإلى ارتفاع أثمان العوامل الإنتاجية ، وسائر تكاليف الإنتاج ، يليه ارتفاع متتال في الأسعار، وما نخشاه الدخول في مرحلة التضخم المدمر .

أخيرا ، ماذا ننتظر اذاً من تلك الحكومة ، أن يصل التضخم الى 120% ، وتصبح قيمة الورقة النقدية من العملة 200 جنيه مصري تساوي 2 سنت أمريكي ، وأصحاب المحال التجارية يلجأون إلى وزن الأوراق النقدية بدلا من عدها ، أو أعلن البنك المركزى عن طرح فئات نقدية كبيرة تشمل 500 و1000 و5 آلاف و10 آلاف و20 ألف جنية مصري لمواجهة تلك الكارثة ، أو إصدار أوراقاً نقدية جديدة مماثلة للدولار الأمريكى لمعالجة انهيار الثقة فى النظام المالى ، مصر على أعتاب مثلث موت الاقتصاد ( نقص الغذاء . التضخم المدمر . انهيار العملة)  مصر تعاني من سوء في الإدارة ، ومع ذلك مازال أمامنا الوقت لإنقاذ البلاد من خطر قاتل ، اذاً يجب أولا من حلول سريعة وعدم الإتكال على حل عامل الوقت ، والحلول التي عنوانها العربة قبل الحصان :

* البدء برفع الأجور لمحدودي الدخل وأصحاب المعاشات بعد تحديد نسبة التضخم الحقيقي ومستوى الفرق بين دولار الموازنة ودولار التعويم وبعد تثبيت الجنيه وليس تثبيت الدولار ، وبهذا البداية ترفع الأجور بمعدل 20 % الى30% من الحد الأدنى .
 
* تفعيل نظام التسعيرة الجبرية للسلع الغذائية الأساسية والمنتجات الاستراتيجية ، من أجل حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، فنظام اقتصاد السوق الحر لا يعنى انعدام رقابة الدولة على الأسواق وضبط حركتها ، ومواجهة زيادة معدلات التضخم وحالات احتكار السلع والمنتجات الضرورية للمواطن ، وليس كما يدعي البعض إن التسعير الجبري ليس أسلوبا صحيحا فى إدارة الاقتصاد حاليا بحجة انه يضر بالمستهلك سواء ارتفعت أسعار السلع أو انخفضت ، فهناك فرق كبير بين دول اقتصاديات النظام الحر ومصر ، حيث السوق الانتاجي الكبير عكس الانتاجية في مصر ، فهولندا مثلا من ينتج الألبان بها تزيد عن 17000 شركة كاملة ومتكاملة في دولة لا يزيد سكانها عن 16 مليون نسمة ومع ذلك هناك رقابة ومرصد للأسعار وحساب التكاليف لمعرفة تكلفة الإنتاج لكل سلعة خاصة السلع الرئيسية الغذائية ، أما في مصر ومع حجم سكانها الهائل وما يدعى من تطبيق للإقتصاد الحر , الا أن عدد محدود من الأفراد بل يتعدون على أصابع اليد الواحدة محتكرون للانتاج وللاستيراد والتوزيع فى الأسواق الداخلية للسلع الغذائية والاستراتيجية ، وهم من يقررون حجم انتاجها وسعرها ومنافذ توزيعها وهل تنزل السلع إلى الأسواق أم لا .. وهذا غير موجود فى نظام الاقتصاد الحر، فالدستور ينص على كفالة حياة كريمة للمواطنين ، ومثل هذه الحياة ، لا تتحقق إلا بتوفير السلع بشكل أساسى وبسعر رخيص وحمايتها من المضاربة  .
* على الدولة أن تستورد بنفسها السلع الأساسية وتوفرها للمواطن بسعر مناسب .
* تأجيل العمل بضريبة القيمة المضافة في الوقت الحالي ، فتطبيق تلك الضريبة يتطلب توافر عدد من الشروط ، وهذه الشروط غير موجوده في مصر في الوقت الحالي ، أولها ، أن الطبقة المتوسطة يجب ان تتعدى 70% من تعداد سكانها ، فمن المعروف أن الطبقة المتوسطة وخاصة وليدة العمل والإنتاج تلعب دور هاما وحيويا في النهوض والحفاظ على مستوى معيشي مرتفع ، فكلما إزداد عدد المنتمين لتلك الطبقة يعني أن هناك زيادة في الدخل وإرتفاع في مستوى المعيشة وازدادت القوة الشرائية ، مع العلم بأن الطبقة المتوسطة في مصر باتت في إنحصار بل وفي تآكل مستمر ، حيث فقدت جزء كبير من شرائحها لصالح الطبقة الفقيرة التي إزدادت بشكل دراماتيكي مخيف وأصبحت تهيمن في الرسم البياني على أكثر من نصف تعداد المجتمع السكاني ، الى أن وصلت الطبقة المتوسطة الى نسبة لا تتجاوز 20% من المجتمع ، أن يكون الاقتصاد عماده الإنتاج الصناعي بكافة تنوعه وبنسب تزايدية سنوية على حساب الواردات والانتاج الخدمي ، فالبيانات تشير إلى أن إنتاج القطاع الصناعي المصري فى السنوات الأخيرة في تراجع مستمر، والفجوة في تزايد مستمر لصالح الواردات عن الصادرات .
* والعودة بربط الجنيه الصري أمام الدولار بحد سعري مرن وغير مضطرب ، فليس من العيب العودة الى الطريق اذا اتضح من التجربة أنه هو الأمثل والأصح .